شرطي مغربي : هكذا تم تعذيبي بمعتقل تمارة السري

إعداد: ميلود الشلح
Wednesday, March 31, 2010
قصة المُختطف حميد راضي
إنه ليس إلا واحدا من ضحايا الخلط والفوضى التي سادت عقب أحداث 16 ماي الإرهابية التي هزت الدار البيضاء، فقد انتهكت حرمات وعُذب المئات من المواطنين الأبرياء في المخافر السرية وطُبخت محاضر لا تستند على أية دلائل وحجج مقنعة، وقدم مئات الأشخاص في طول البلاد وعرضها إلى المحاكم من أجل التضخيم وإبراز مدى العمل "الجدي والمتقن" التي قامت به الأجهزة الأمنية، ولو كان ذلك على حساب صورة دولة وسمعة بلد ما يزال يلتمس الطريق نحو دولة الحق والقانون.. هذا نموذج حي ضحيته شرطي اسمه حميد راضي، تعرض للاختطاف من مقر عمله واقتيد إلى معتقل تمارة السري، حيث تم تعذيبه قبل تقديمه إلى المحاكمة بتهمة الانتماء إلى "تيار السلفية الجهادية"…
كنت أقضي عطلتي السنوية مع عائلتي في تاغازوت بأكادير عندما هاتفني رئيسي في العمل، وطلب مني الحضور إلى مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء. كان ذلك يوم 17 شتنبر سنة 2003 عندما حللت بالمكان الموعود، لكن لما استفسرت عن سبب استدعائي لم أجد جوابا واضحا، فعدت أدراجي إلى منزل عائلتي بحي البرنوصي.
في اليوم الموالي، فوجئت بستة عناصر من الفرقة الوطنية يطلبونني، فأدخلتهم إلى بيت والدي بعفوية وتلقائية، لكوننا نعرف بعضنا بعضا بحكم انتمائنا إلى نفس الفوج المتخرج من المعهد الملكي للشرطة.
عندما طلبوا مني مرافقتهم إلى مقر الفرقة، لم أكن أعرف سبب ذلك إذ لم يوجهوا إلي أية تهمة، لكنهم سألوني في الطريق عما إذا كنت أمارس التداريب بشكل منتظم فأجبت بنعم.
خلال التحقيق، سألوني عن علاقتي بخالد أديب، وهو شرطي سابق استقال من الوظيفة منذ سنة 1997 لأسباب عقائدية، فأجبتهم بأن علاقتي به لا تتعدى حدود الصداقة لكوننا عملنا معا في نفس الجهاز (السيمي)، وأخبرتهم أنني لم ألتق به سوى مرتين فقط بعد أن غادر وظيفته. وكل ما أعرف عنه أنه وحيد أمه بعد أن طلقها والده، فكان يعمل بجد ليعيل والدته وزوجته، أما في ما يخص معتقداته فلا علم لي بها البتة.
سألوني أيضا عن علاقتي بعمر فالوح، وهو شرطي ملتح كان يعمل معنا في نفس الفرقة، فأجبتهم بأننا مجرد زملاء يجمعنا العمل، حيث كنا نؤدي وظيفتنا على أحسن ما يرام، ثم يذهب كل منا إلى حال سبيله.
بدأ التحقيق من عصر يوم الخميس 18 شتنبر، ولم ينته إلا بعد أن جاوزت عقارب الساعة العاشرة والنصف ليلا. وطيلة هذه المدة، ظللت أسأل عن التهمة التي يجري التحقيق معي حولها، فلم أكن ألقى جوابا. بعدها حضر عدد من زملائي في الفرقة وشهدوا جميعا بحسن سيرتي في العمل واتسام شخصيتي بالوضوح.. بعد ذلك أدخلوني إلى مكتب رئيس الفرقة الذي كان به ممثلون عن أجهزة "الديستي" والاستعلامات العامة والدرك الملكي، فطلبوا مني خلع حذائي ليتفحصوا كعب رجلي اليسرى، إن كانت به علامة "الدينار" التي تخلفها كثرة السجود. لكنهم لم يجدوا أي أثر على رجلي، لأنني لم أكن أواظب على الصلاة. عندها أخلوا سبيلي على أن أعود إليهم صباح اليوم الموالي.
صباح الجمعة ذهبت إليهم، وظللت أنتظر مدة طويلة دون أن يستقبلني أحد، فأشار علي أحد الزملاء بأن أنصرف إلى أن يطلبوني، وهو ما فعلت، إذ رافقت أخي لأوصله إلى ميناء طنجة. وأذكر أنني حينما كنت بصدد توديع أخي على متن باخرة، راودتني فكرة مغادرة الوطن، لكني لم أستطع لأن قلبي مفعم بحب البلاد.
عدت إلى الدار البيضاء. طيلة يومي السبت والأحد، كان قلبي منقبضا وكنت أشعر بأن مكروها سيحدث لي. وخلال هذه الفترة وجدت نفسي منغمسا في شرب الخمر هربا من الواقع الذي كنت أتخبط فيه بسبب الخوف مما سيحدث.
الطريق إلى معتقل تمارة السري
يوم الاثنين 22 شتنبر، هاتفني رئيسي في العمل وطلب مني الحضور فورا رغم أنني ما زلت في عطلة. التحقت بمقر عملي، فأخبروني بأن الفرقة الوطنية تطلبني. وهناك، في مقر الفرقة، ظللت أنتظر أنا وعمر فالوح مدة طويلة في جو مكفهر يلفه الغموض، لكوننا لم نعرف حتى سبب استدعائنا ولا ماذا سيكون مصيرنا.. حوالي السابعة مساء، وبينما كنا نهم بالمغادرة بعد أن خرج كافة الموظفين، فوجئنا بسبعة عناصر من الفرقة يقتادوننا إلى "سطافيط" لينقلونا إلى معتقل تمارة.
وفي الطريق، أخرجت هاتفي وحاولت أن أتصل بأحد إخوتي لإبلاغه باعتقالي، لكن أحد العناصر طلب مني ألا أستعمل الهاتف. ولما اقتربنا من مدينة تمارة وضعوا أصفادا في يدينا وعصابة فوق رأس كل منا.
ما إن دخلنا المعتقل السري حتى استقبلتنا أصوات المعتقلين، وهم يتعرضون للتعذيب. من تحت العصابة رأيت أشخاصا ملتحين حفاة يتعرضون للتعذيب. وضعوني أنا في الزنزانة رقم 18 فيما زميلي عمر في الزنزانة 19، ثم جاء المحققون وبدأوا يصورونني ويأخذون بصماتي، وفي الصباح استدعوني للتحقيق وطرحوا علي نفس الأسئلة عن خالد أديب ثم أعادوني إلى زنزانتي.
خلال فترات الراحة كانوا يقدمون لنا طعاما جيدا، لكني امتنعت عن الأكل احتجاجا على تلك الظروف التي كنت أتخبط فيها، فكنت أوزع الطعام على قطط كانت تتسلق إلى نافذة زنزانتي…
فصول التعذيب
يوم الأربعاء، اليوم الثاني من التحقيق، تبدلت الأمور رأسا على عقب، إذ بدأ المحققون في استخدام العنف معي لإرغامي على قول ما يريدون عن خالد أديب من كونه سلفي سعى إلى تكوين عصابة إرهابية، لكني كنت أصر على أن علاقة الزمالة، التي كانت تجمعني به، انقطعت بعد اعتزاله العمل كشرطي.
واجهوني بأنني كنت بصدد مساعدة خالد أديب بتقديم السلاح له عام 1994، لكني نفيت ذلك وطالبتهم بدليل يؤكد صحة اتهامهم، وطالبت بسلك إجراءات التحقيق معي بشكل قانوني، فما كان من أحدهم إلا أن هوى علي بلكمة أفقدتني الوعي لمدة 5 دقائق. وعندما استعدت وعيي وجدت نفسي عاريا وجردوني من سروالي.. كما وجدت آثار الضرب بعصا غليظة على فخذي.. لكني صبرت ولم أتأثر، عكس زميلي عمر الذي لم يستطع مقاومة البكاء.
خلال الأيام التالية لم يستدعونا للتحقيق، فقضينا أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد ننتظر ما سيفعلونه بنا. وخلال تلك الفترة، كنا نسمع أصوات تعذيب بقية المعتقلين الذين كان أغلبهم ملحتين، وكانت بينهم امرأة واحدة هي فتيحة المجاطي وابنها إلياس، نجل كريم المجاطي عضو تنظيم القاعدة الذي قتل بالسعودية عام 2005.
كان المحققون يستهزؤون من المعتقلين ويرغمونهم على فعل أو قول أشياء بغرض إذلالهم.. كانوا يرغمونهم على الر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ